جلال الدين السيوطي

27

حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة

ولأمير المؤمنين عليكم أن تعتقدوا موالاته بخالص الطويّة ، وتجمعوا له في الطاعة بين العمل والنيّة ، وتدخلوا في البيعة بصدور منشرحة وآمال منفسحة وضمائر يقينيّة وبصائر في الولاء قويّة ، وأن تقوموا بشروط بيعته ، وتنهضوا بفروض نعمته ، وتبذلوا الطارف والتالد في حقوق خدمته ، وتتقرّبوا إلى اللّه سبحانه بالمناصحة لدولته . وأمير المؤمنين يسأله اللّه أن تكون خلافته كافلة بالإقبال ، ضامنة ببلوغ الأماني والآمال ، وأن يجعل ديمها دائمة بالخيرات ، وقسمتها نامية على الأوقات إن شاء اللّه تعالى . وأقام الآمر بأحكام اللّه خليفة إلى أن قتل في ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة ، عدّى إلى الرّوضة « 1 » في فئة قليلة ، فخرج عليه منها قوم بالسّيوف فأثخنوه . وكان سيّىء السيرة . ولما قتل تغلّب على الديار المصرية غلام أرمنيّ من غلمانه ، فاستحوذ على الأمور ثلاثة أيام ورام أن يتأمّر ، فحضر الوزير أبو عليّ أحمد بن الأفضل بدر الجماليّ ، فأقام الخليفة الحافظ لدين اللّه أبا الميمون عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم بن المستنصر بالله ، واستحوذ على الأمور دونه ، وحصره في مجلس لا يدخل إليه أحد إلا من يريده ، وخطب لنفسه على المنابر ، ونقل الأموال من القصر إلى داره ، ولم يبق للحافظ سوى الاسم فقط ، فلم يزل كذلك حتّى قتل الوزير « 2 » ، فعظم أمر الحافظ من حينئذ ، وجدّد له ألقاب لم يسبق إليها ، وخطب له بها على المنابر ، فكان يقول : أصلح اللّه من شيّدت به الدين بعد دثوره ، وأعززت به الإسلام بأن جعلته سببا لظهوره ؛ مولانا وسيّدنا إمام العصر والزّمان أبا الميمون عبد المجيد الحافظ لدين اللّه ! قال ابن خلّكان : وكان الحافظ كثير المرض بعلّة القولنج ، فعمل له سرماه « 3 » الديلميّ طبل القولنج ركبة من المعادن السبعة والكواكب السبعة في أشرافها كلّ واحد منها في وقته ، فكان من خاصّته أنّه إذا ضرب به أحد خرج الريح من مخرجه ، فكان هذا الطبل في خزائنهم إلى أن ملك السلطان صلاح الدين بن أيّوب . أخذ الطبل المذكور كرديّ ولا يدري ما هو ! فضرب به ، فضرط ، فخجل ، فألقى الطبل من يده فانكسر .

--> ( 1 ) في الكامل لابن الأثير 8 / 332 : خرج إلى متنزّه له ، فلما عاد وثب عليه الباطنية فقتلوه لأنه كان سئ السيرة في رعيته . ( 2 ) في شذرات الذهب 4 / 78 : في سنة 526 ه توفي أحمد بن الأفضل أمير الجيوش بن بدر الجمالي . . . فركب الوزير للعب الكرة في المحرم فوثبوا عليه ، وطعنه مملوك الحافظ ، وأخرجوا الحافظ . ( 3 ) في شذرات الذهب 4 / 138 : شبرماه الديلمي .